فخر الدين الرازي

29

تفسير الرازي

لما قال الله تعالى : * ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) * ( الأنفال : 33 ) فكيف يبقى التخويف حاصلاً ؟ قلنا : قوله * ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) * إنما أنزل في آخر الأمر فكان التخويف حاصلاً قبل نزوله . ثم إنه تعالى خوف كفار مكة ، وذكر فضل عاد بالقوة والجسم عليهم فقال : * ( ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ) * قال المبرّد ما في قوله * ( فيما ) * بمنزلة الذي . و * ( إن ) * بمنزلة ما والتقدير : ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه ، والمعنى أنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر منكم أموالاً ، وقال ابن قتيبة كلمة إن زائدة . والتقدير ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ، وهذا غلط لوجوه الأول : أن الحكم بأن حرفاً من كتاب الله عبث لا يقول به عاقل والثاني : أن المقصود من هذا الكلام أنهم كانوا أقوى منكم قوة ، ثم إنهم مع زيادة القوة ما نجوا من عقاب الله فكيف يكون حالكم ، وهذا المقصود إنما يتم لو دلّت الآية على أنهم كانوا أقوى قوة من قوم مكة الثالث : أن سائر الآيات تفيد هذا المعنى ، قال تعالى : * ( هم أحسن أثاثاً ورئياً ) * ( مريم : 74 ) وقال : * ( كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثاراً في الأرض ) * ( غافر : 82 ) . ثم قال تعالى : * ( وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة ) * والمعنى أنا فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمعاً فما استعملوه في سماع الدلائل ، وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها في تأمل العبر ، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى ، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها ، فلا جرم ما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله شيئاً . ثم بيّن تعالى أنه إنما لم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم لأجل أنهم كانوا يجحدون بآيات الله ، وقوله * ( إذ كانوا يجحدون ) * بمنزلة التعليل ، ولفظ إذ قد يذكر لإفادة التعليل تقول : ضربته إذ أساء ، والمعنى ضربته لأنه أساء ، وفي هذه الآية تخويف لأهل مكة فإن قوم عاد لما اغتروا بدنياهم وأعرضوا عن قبول الدليل والحجة نزل بهم عذاب الله ، ولم تغن عنهم قوتهم ولا كثرتهم ، فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب الله تعالى ويخافوا . ثم قال تعالى : * ( وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) * يعني أنهم كانوا يطلبون نزول العذاب وإنما كانوا يطلبونه على سبيل الاستهزاء والله أعلم . قوله تعالى * ( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الاَْيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً ءَالِهَةَ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) * .